الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
515
انوار الأصول
وكأنّ القائل بهذا الوجه توهّم أنّ كلّ ما يكون البحث فيه عقليّاً يكون كلامياً مع أنّه كما ترى ، لأنّ البحث في علم الكلام يقع عن أحوال المبدأ والمعاد ، والمسألة الكلاميّة تترتّب عليها معرفة المبدأ أو المعاد ، وأين هذه من مسألة جواز الاجتماع وامتناعه . إن قلت : يمكن إرجاع هذه المسألة إلى أحوال المبدأ والمعاد بتقريب أنّه في الحقيقة يبحث فيها عن أنّه هل يترتّب على الصّلاة في الدار المغصوبة مثلًا ثواب أو لا ؟ ولا ريب في أنّ الثواب والعقاب من شؤون البحث عن المعاد . قلنا : إنّ البحث عن الثواب والعقاب في علم الكلام بحث عن كلّي الثواب والعقاب كالبحث عن وجود الثواب والعقاب في عالم البرزخ وعدمه مثلًا لا عن مصاديقهما الجزئيّة وأنّه هل يترتّب على هذا المورد الخاصّ وهذا العمل الخاصّ ثواب أو لا ؟ إن قلت : يمكن إرجاع هذه المسألة إلى المسألة الكلاميّة ببيان ثالث وهو أنّ البحث فيها بحث عن قبح صدور الأمر والنهي معاً من الباري تعالى بالنسبة إلى شيء واحد ، فيكون بحثاً عن أحوال المبدأ . قلنا : البحث عن أحوال المبدأ في علم الكلام بحث كبروي حيث يبحث فيه عن جواز صدور أمر قبيح من اللَّه تعالى وعدمه بعد الفراغ عن كونه قبيحاً ، بينما البحث هنا صغروي فيبحث في صغرى كون اجتماع الأمر والنهي قبيحاً وعدمه . وقد يقال : أنّها من المبادئ الأحكاميّة حيث إنّ فيها يبحث عن أحوال الحكم وأوصاف الوجوب والحرمة وأنّهما هل يجتمعان في شيء واحد أو لا ؟ وأجيب عنه : أيضاً بأنّا « لا نعقل المبادئ الأحكاميّة في مقابل المبادئ التصوّريّة والتصديقية ، بداهة أنّه إن أريد منها تصوّر نفس الأحكام كالوجوب والحرمة ونحوهما فهو من المبادئ التصوّريّة ، إذ لا يعني من المبادئ التصوّريّة إلّا تصوّر الموضوع والمحمول ، وإن أريد منها ما يوجب التصديق بثبوت حكم أو نفيه ( ومنه الحكم بسراية النهي إلى متعلّق الأمر في محلّ الكلام ) فهي من المبادئ التصديقية لعلم الفقه ، كما هو الحال في سائر المسائل الاصوليّة » « 1 » .
--> ( 1 ) راجع المحاضرات : ج 4 ، ص 178 - 179 .